دوره الإصلاحي في مواجهة الانحراف وتقديم النذور للاولياء

من الأدوار البازرة في فكر الفقيه الولاتي مواجهته للفكر المنحرف، وكذلك موقفه الصريح في مواجهة ظاهرة المواسم المرتبطة بمدافن الصالحين وسوق النذور والقرابين إلى أضرحتهم. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن أثر الرحلة الحجازية على فكر الفقيه في تشبعه بالفكر السلفي الإصلاحي، الداعي إلى العودة إلى الأخذ من الكتاب والسنة وإصلاح عقائد الأمة وتنقيتها من شوائب البدع والمحدثات والنحل الزائغة. ويمكن في هذا الصدد أن نشير في كتاب رحلته إلى أجوبته التالية: 

1- جوابه للفقيه سيدي محمد بن العربي الأدوزي عن أسئلته وخاصة منها ما يتعلق بعلم النبي بنبوته هل حصل له في الأزل أم بعد الرسالة؟ .

2- إجابته عن سؤال بدعي .

3- جوابه عن وحدة الوجود .

4- جوابه عن علم الباطن والحقيقة هل هو مخالف لعلم الظاهر والشريعة؟ 

5- فتواه في القيام عند تلاوة الورد وقراءة المولد كما تفعله بعض الطرق الصوفية .

6- جوابه عن مراتب الأقطاب والأوتاد والأبدال عند الصوفية .

7- فتواه في حقيقة اللوح المحفوظ وجواز رؤيته عند الصوفية .

8- فتواه فيما يفعله بعض الصوفية من الرقص والتغني .

9- فتواه فيما يفعله أهل المغرب من الذبح على قبور الصالحين .

ولا يتسع المجال لعرض ملخصات عن أجوبته عن هذه المسائل التي تمثل نزعته الفقهية في الإصلاح، وسلوكه سبيل فقهاء المالكية الذين كان لهم لهذا العهد الأثر البارز في الدعوة الإصلاحية بالمغرب، تأثرا منهم بأصداء الدعوة السلفية التي كانت تبلغهم عن أقطابها في نجد والحجاز والبلاد الإسلامية الأخرى، وترسما للمنهج الذي مال إليه الفقهاء الإصلاحيون بالمغرب منذ عودة السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي من رحلته إلى الحج في الثلث الأخير من القرن الثاني عشر الهجري.

وأشير هنا فقط إلى مثال واحد من أجوبة الفقيه الولاتي عن المسألة الأخيرة التي يقول فيها في كتاب رحلته: "وسئلت أيضا عن الحكم الشرعي فيما يفعله أهل المغرب من الذبح على قبور الصالحين تقربا بهم في قضاء حوائجهم ندائهم للموتى واستغاثتهم بهم، يقول: يا فلان توسلت بك إلى الله تعالى في قضاء حاجتي، فسئلت عن الذبح المذكور هل هو بدعة محرمة فقط، أو كفر – أعاذنا الله منه – أو كبيرة فقط؟ وعن طلب الحوائج من الأولياء أصحاب القبور والاستعانة بهم هل هو بدعة محرمة أم لا؟؟

فأجبت بأن الذبح على قبور الأولياء تقربا إليهم في قضاء الحوائج بمنزلة الذبح على الصنم تقربا إليه بذلك. فإن قالوا: نحن لا نعتقدهم آلهة، ولكننا نتقرب إليهم بالذبح ليتوسطوا بيننا وبين الله تعالى في قضاء حوائجنا، قلنا لهم: كذلك عبدة الأصنام فإنهم قالوا مثل هذه المقولة، ولم يخرجهم ذلك عن دائرة الشرك أعاذنا الله منه، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ، فلا فرق بين من تقرب إلى الولي عند قبره في قضاء حوائجه يعتقد أنه واسطة بينه وبين الله تعالى، وبين عابد الصنم في تقربه إليه بالذبح عنده لقضاء حوائجه يعتقد أنه واسطة بينه وبين الله تعالى؛ لأن الولي مخلوق لا ينفع ولا يضر ولا تأثير له، كما أن الصنم كطلك، فقد كان الذبح على الأصنام والذبح على القبور من سنة الجاهلية، فحرمهما الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وحرم تعالى في كتابه الذبح على الأصنام تقربا إليها، وجعله كفرا بقوله تعالى: (وما أهل لغير الله به)  وقوله تعالى: (وما ذبح على النُّصُبِ) . وحرم تعالى أيضا على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذبح على القبور بقوله : "ولا عقر في الإسلام". رواه أبو داود في سننه عن أنس . فمن ذبح على قبور الأولياء تقربا إليهم فقد أحيا سنة الجاهلية التي أماتها الشرع العزيز قبله.

ثم قال: "فإن قالوا: نحن نذبح على اسم الله تعالى، وعبدة الأصنام يذبحون على اسم الصنم، وهذا فرق ما بيننا وبينهم، قلنا لهم: هذا لا ينهض فرقا ولا حجة؛ لأنكم تذبحون على اسم الولي مع اسم الله تعالى، فتقولون: باسم الله، هذه ذبيحتك أيها الشيخ فلان، واعتقادكم في حالة الذبح مع اسم الولي لا مع اسم الله تعالى؛ لأن الولي هو الذي تطلبون منه قضاء حوائجكم، فهو المقصد الأعظم عندكم، فذكركم لاسم الله تعالى عند الذبح إنما هو صورة لفظ لا يصحبها قصد" ، إلى أن يقول: "فإن قلتم: نحن لا نعتقد فيه التأثير أصلا، قلنا لهم: معيار ذلك أن تذبحوا في بيوتكم، وأن تتصدقوا بلحم الذبيحة، وتنووا ثواب الصدقة لأنفسكم أو لوالديكم، وتتوسلوا إلى الله في قضاء حوائجكم بعملكم الصالح هذاالذي هو الصدقة المذكورة؛ فإن توسل العبد إلى الله تعالى بعمله الصالح وردت به السنة الصحيحة، كما في حديث أصحاب الصخرة الثلاثة الذين أواهم المطر إليها فانطبقت عليهم، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة فانفرجت عنهم ... فلو كنتم لا تعتقدون التأثير في الولي لما أتعبتم أنفسكم في سوق الذبيحة إلى قبره، ولولا اعتقادكم التأثير فيه ما سقتموها إليه ولا خصصتموه بها... .

وهكذا يمضي الفقيه الولاتي في جوابه يمزج بين الدليل الشرعي والحجاج الفكري والمنطقي، ثم يختم بعرض طائفة من فتاوى العلماء وأقوال المفسرين في حِرمة الذبح على قبور الأولياء وبيان أنها لا فرق بينها في المعنى والروح والقصد وبين ما كان يفعله أهل الجاهلية من تقديم القرابين والنذور لأصنامهم والإقامة عندها والطواف بها .

فكان الفقيه بهذا يجسد بحق أهم الأسس التي قامت عليها الدعوة السلفية في البلاد الإسلامية، وتبعتها على ذلك الأقطار المغربية، كما انعكست آثار ذلك في فكر الفقيه نفسه من خلال كتاب رحلته الحجازية.