انظر أيضا

الباحثون الجزائريون الذين اهتموا بكتبه

بحث حميتو

"وقد طاب له المقام في هذه المرة في تندوف بعد أن انتقل إليها من أكلميم، فأقام عاما وشهرا ضيفا على بعض أهلها، وهنالك اتصل بقاضي تندوف أحمد دوكنا الذي عددناه في رجال مشيخته، وكان هذا القاضي من بيت القارئ المشهور محمد بن المختار بن الأعمش، وقد كان القاضي يتردد للأخذ عليه مع كبر سنه، ومما خاطب به الفقيه قوله:

إلى العالم الأرضى الكريم المبجل
وحائز قصب السبق في كل مشهد
من أحيا به الرحمن كل شريعة
سلام يفوق المسك ريًّا وطعمـه
فموجبه إعلامكــم بمحبـة
وإني على العهد القديم إليكمُ
فلا تنسنا في كل حال بدعـوة

وفاتق رتق المشكلات من أول
وراضع ألبان العلوم بلا مثل
أميتت وأخزى ملة الظلم والجهل
ألذ مذاقا من جنى النحل والنخل
من الحائر المحتاج للخِدن والشَّكل
وإعلامُكم من واجب القول والفعل
جليلة قدر يا إمام ذوي الفضـل

فأجابه الفقيه الولاتي بقوله:

سلام كزهر الروض فاح له عرف
سلام يفوق المسك طيبا تحفـه
سلام إلى كهف العلوم ومن إذا
إلى أحمد البر الفتى الشامخ الذى
هو الفضل نجل الفضل والفضل جده
وبعد فإن البر والفضل والنـدى
تبرُّهمُ بالقول والفعل والقرى
وإن جاء غرثانٌ لعلم سقيتــه
وإني لكم حِبٌّ حمـيم وداده

فتاهت على الأسماع من نشقه الأنف
تحيـة تكريم يرافقها ألـــف
بدا وجهه استحيا لهيبته الطرف
له العدل ينمى والكرامة والعُـرف
له كرم الأحساب والنسب الصرف
وإكرام أهل الفضل سيما لكم تصفو
وتُكرمُهم دأبا وترفو ولا تهفو
بأكؤس علم زانها اللطف والعطف

يزيد على مر الدهور ولا يجفو[1]

وهكذا دارت هذه القطوف من أعذاق المودة ما بين الشيخين، وكل منهما يذكر من فضائل صاحبه وشمائله ما يترجم عما في نفسه من تعلق مكين.

وكان هذا الشيخ القاضي كما يقول فيه صاحب المعسول: "عالما فقيها مشاركا في العربية والفرائض والتاريخ وعلم الأسماء والتفسير والحديث والسيرة"[2]. وزاد في المعسول في التنويه به بقوله: "وقد كان شمس تندوف كل حياته، فكانت الاستفتاءات والأسئلة العلمية وأهل الدعاوي يترددون إليه، وكان حينا من الدهر قاضي "تامانارت" لا يُعلى عليه، والناس يقبلون عليه ويرضون حكمه، ويفضلونه على أقرانه من فقهاء تلك الجهة، وقد كان في علم النوازل بارعا". ثم قال عن صلته بالدولة المغربية: "وقد مثل في حضرة السلطان مولاي الحسن ومدحه بقصيدة، فولاه قضاء تندوف، أخبرني بذلك الشيخ سيداتي – يعني تلميذ الولاتي-، وقد رأيت أنا ظهائر ملكية وظهائر لأهله قبله في يد أحفاده"[3].

ولعل من أبلغ ما يدل على مكانة الفقيه ما تحدث به صاحب المعسول عن خزانته حيث قال: "كانت لأهله خزانة كبيرة جلها محطوط، فيها على ما سمعنا نوادر من الكتب العلمية، وقد صارت إليه بعض كتب الشيخ محمد يحي الولاتي التي عجز عن الإصحار بها بعد مرجعه من الحج، فلا تزال إلى الآن ضمن الخزانة"[4].

"وهكذا مثل الفقيه الولاتي في علاقاته برجال السيف والقلم صورة زاهية من صور التواصل بين السلطتين الدينية والإدارية، كما مثل صورة أخرى عن وشائج القربى والأخوة ومواثيق البيعة والعهود السلطانية التي ظلت إلى زمن قريب تصل المناطق الصحراوية عموما بقاعدة الملك في الجهات الداخلية للمغرب، كما أن الوثائق الخطية التي رأينا شواهد منها بالنسبة إلى تندوف ما تزال (...)عبر القرون والأعصار.


 

[1] -المعسول (18/161-162).

[2] - نفسه (18/168).

[3] - المعسول (18/163).

[4] - نفسه (18/164).

[5] - أنظر: الإعلام للمراكشي (7/180-181)، والمعسول (8/285)، والقبائل البيضانية في الحوض والساحل لبول فاري (ص:324).

[6] - الإعلام (7/218).

[7] - نفسه (7/218).

[8] - أنظر خلال جزولة (4/157).