بقلم محمد عبد الله ولد اب

 

ا-تقديم:

 

تلتقي الروايات الشفوية وبيانات المؤرخين والرحالة حول الأصول السكانية لمؤسسي مدينة ولاتة التاريخية(قبل مجيء البيظان)

بأنهم من شعوب السوننكى وبواسطة هذه اللغة أو مزيج مما قبلها تشكل اسم المدينة فكان بيرو، تلك القرية التي تعتبر ضمن أقاليم إمبراطورية غانا، وحسب هذه الروايات فإن المدينة تأسست قبل البعثة النبوية

 

 

 وهي مدرجة الآن على لائحة التراث العالمي شأنها شأن أخواتها من المدن الأثرية الحية (شنقيط، وادان، تيشيت)، وظلت هذه الحاضرة وثنية حتى دخول الإسلام على يد سرايا عقبة بن نافع (43 هـ) الذي يذكر أنه خلف إبنه العاقب في هذه الجهة، وهو دفين المسجد الحالي للمدينة.

 

 ب-الموقع:

 

تقع مدينة ولاتة شمال النعمة وعلى بعد 100 كلم كما يفصلها عن تمبكتو 350 كلم أو ما يعادل 10 أيام على الإبل عبر الطريق الصحراوي الشرقي وتفصلها عن تيشيت تقريبا نفس المسافة لكن من جهة الشمال.

 

تبعد هذه المدينة عن سجلماسة حوالي 2000 كلم أي ما يعادل 3 أشهر على الإبل، وتبعد أيضا عن شنقيط ووادان من 700 إلى 600 كلم بمعدل 25 يوما على ظهور الإبل، وتبعد عن العاصمة انواكشوط 1200 كلم 1100 منها معبد والبقية طريق رملي.

 

ج-إشارات المؤرخين والرحالة العرب:

 

بفعل موقعها الممتاز بين الشمال والجنوب وكونها مركزا تجاريا من بلاد السودان خاضعا لمملكة غانا تقاطر عليها التجار والعلماء من كل قبيلة ومن كل فج من سجلماسة وسوس ودرعة وتافلالت وفزان واكدامس وتوات ومصر. وإثر تنامي قوة المرابطين الذين سيطروا على غانا هاجر إليها أيضا الشيخ اسماعيل الذي يذكر أنه من العلويين من أسرة بني صالح حسب ابن خلدون، وبفعل هذه التحولات واختلاف الحكام أخذت المدينة اسما جديدا (إولاتن) ويلاحظ أنه ذو لكنة بربرية وكانت قد وصلت منتجات ولاتة حتى أوروبا حتى أن بعض التجار كانوا يحجزون لهم أماكن يكترونها في ولاتة (ابن بطوطة)، وقد ذكرها ابن خلدون في تاريخه كما أشار إليها المقري صاحب نفح الطيب وذكر أن لهم فيها نسبا وصهرا وربما كان ذلك إشارة إلى شركة أبناء المقري التي كانت عبارة عن مؤسسة لها فروع في سجلماسة وولاتة كما أنها تسيطر على الآبار عبر المسالك الصحراوية حتى انتهت رآسة المدينة لأحد أفراد هذه المؤسسة هو عبد الواحد المقري، وفي هذا السياق زارها الرحالة ابن بطوطة (753 هـ - 1352 م) واشاد بدورها التجاري والثقافي وبوصفها محطة أساسية في تجارة الصحراء، ومن كلامه حولها (وماؤها بأحساء بها وثيابها حسان مصرية) كما أفاد بان حاكمها زنجي وأغلب سكانها من البيض، وكانت سمة التنافس ظاهرة بها آنذاك بين التجارة المغاربة والمصريين إذ وصفها الحسن الوزان (ليون الإفريقي) بأن الطريق الواقع بينها ومصر كانت آمنة جدا (1555 م)، أدى هذا الدور الحساس إلى تنامي أهمية ملوك السنغاي بها وخاصة في عهد صوني علي (1583) حتى أنه تبنى مشروعا مائيا أشرف على تنفيذه يقضي بحفر قناة مائية من نهر النيجر عند منطقة فاغيبين إلى ولاتة وبدأ في مشروعه حتى وصل رأس الماء إلا أن ملوك الموسي افتكوا ولاتة ودمروها مما أدى منه إلى مطاردتهم وتوقف المشروع.

 

د-المجتمع الولاتي:

 

يتكون سكان ولاتة من مجموعات مختلفة ومهاجرين انضموا إلى السكان الأصليين وأول الوافدين على هذه المدينة هم المحاجيب في شخص جدهم الأعلى يحي الكامل ابن عمر تنمر، ويذكر أنه جاء متخفيا قادما من العراق أو فارا من مذبحة كربلاء وبذلك سمي بالمحجوب وكان وصوله المنطقة بداية القرن الخامس الهجري حيث يعتقد أنه من أبناء عمومة عبد القادر الجيلاني وقد عرفه محمد بن مسلم الديسفي التنبكتي بأبيات يشير فيها على نسبه الشريف حيث يلحقه بموسى الجون ووفق ذلك يكونون حسينيين.

 

بارتيل:
يربط بارتيل نسبهم بالأنصار وحسب ما أورده بول مارتي بأنهم ينحدرون من محمد الندى ويبدو أن جميع بارتيل يلتقون عند أدقوق بن رقراق من قبائل مصمودة  بجبل داران بالأطلس أو من دكالة.

 

الأغلال: ينحدرون من محمد قلي احد مؤسسي مدينة شنقيط التاريخية. أما أغلال ولاتة فهم ينتسبون إلى فرعين هما: أولاد سيدي وأولاد موسى وكان أول ظهور لذكرهم في حوليات ولاتة أنه في سنة 1665 كان ميلاد الفقيه الحاج ببكر بن الحاج عيسى الغلاوي بعد ذلك تذكرنا نفس الحوليات بوفاة الحاج عثمان بن محمد بن الطالب الوافي 1773م.

 

إديلب: يذكر تاريخ ولاتة أن قدوم إيدلب المنطقة كان عبر موجات متتالية آخرها 1772 ومن أشهرهم أهل المواق والنفاع والكصري وأصول إديلب من صميم تجكانت، وكانوا قبل التقري يمتهنون حفر الآبار في الصحراء.

 

أما أولاد داود فقد وصلوا متاخرين إلى المنطقة ومن أشهر أسرهم( أهل اب) و(أهل أب عين) وهم من القبائل العربية من بني معقل ويصل بعد ذلك الشرفاء الحسنيون أبناء سيدي حمو بن الحاج القادمين من توات عبر السودان، وهنا تكتمل ساكنة ولاتة حيث كان لكل حي نقيبه وكانت سلطة المدينة الروحية والزمنية بيد لمحاجيب حتى مجيء الاستعمار.

 

ه -التبادل الثقافي والتجاري في العصر الوسيط:

 

عند ما نكون بصدد الكلام عن الثقافة الإسلامية بهذه الربوع فلا بد من الرجوع إلى منابعها الأولى وذلك في بداية القرن السادس الهجري بمجيء يحي الكامل الذي هو أول من استوطن المنطقة من المسلمين وكان معروفا بالعلم واجتهد في نشره في أوساط الزنوج الوثنيين وامتهن أبناؤه من بعده هذه الحرفة حتى مجيء الشيخ سيد أحمد البكاي الكنتي منتصف القرن العاشر الهجري الذي كان قادما من الشمال ولعله كان يحمل معه ورد القادرية وبعض الكتب مما حدى بسكان المدينة إلى منعه من الرحيل بفعل الضرورة الشرعية، وقد ظهرت بوادر التأليف في هذه الفترة حيث يذكر أن أقدم مخطوط عثر عليه فيها لصاحبه إند عبد الله بن سيد أحمد بن محمد الغيث المحجوبي الولاتي (ت 937 هـ)، وبعد ذلك توالت صناعة التأليف لكنها كانت محتشمة بفعل ندرة الورق وصعوبة الاتصال ورغم ذلك كله عرفت المدينة أهم المؤلفات في تراجم التكرور لصاحبه أبكبر الصديق البرتلي حيث يظهر أهمية التواصل الثقافي بين المدينة ومثيلاتها في الشمال (تلمسان، فاس، القاهرة). وكذا الرحلة الحجازية للفقيه محمد يحي الولاتي، وكتاب منح الرب الغفور الذي يعتبر توسعة للحوليات في بلاد التكرور لصاحبه الطالب ببكر.

ومن نافلة القول ذكر أن أساس التبادل التجاري القائم آنذاك بين هذه الحواضر كان يتركز على المواد الشمالية التمور، البخور، النسيج. أما مواد الجنوب فقد أجملت في العاج والذهب والملح والعبيد والتوابل المختلفة. وازدهرت رحلات الحجيج بشقيها الثقافي والاقتصادي فظهر أدب الرحلات والفنون الأخرى كالحوليات والفتاوي ونوازل  ومن أهم أعلامهم محمد يحي الولاتي، الطالب ببكر، محمد يحي ولد سليم.